أبي منصور الماتريدي

384

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وأما سائر الكفرة فإنهم لم يضطربوا في الدين ، بل أظهروا بالقول على ما أضمروا بالقلب ؛ فسماهم موتى ، لما لم ينتفعوا بحياتهم ، ولم يكتسبوا الحياة الدائمة . وسمى المؤمنين أحياء ؛ لما انتفعوا بحياتهم ، واكتسبوا الحياة الدائمة ، لموافقتهم باللسان والقلب جميعا لدين الله - عزّ وجل - والله أعلم . وقوله : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً . اختلف في تأويله : قالت المعتزلة : هو التخلية بينهم وبين ما اختاروا . وأما عندنا : فهو على خلق أفعال زيادة الكفر والنفاق في قلوبهم ، لما زادوا هم في كل وقت من إظهار الموافقة للمؤمنين بالقول ، وإضمار الخلاف لهم بالقلب ، خلق الله عزّ وجل تلك الزيادة من المرض في قلوبهم باختيارهم . وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم في قوله : اهْدِنَا . وقوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ . لأن عذاب الدنيا قد يكون ولا ألم فيه ؛ فأخبر الله عزّ وجل أن عذاب الآخرة عذاب شديد عظيم ، ليس كعذاب الدنيا . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 11 إلى 16 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) وقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ . بالمخادعة للمؤمنين ، وإظهار الموافقة لهم بالقول ، وإضمار الخلاف لهم بالقلب ، والاستهزاء بهم عند الخلوة ، والقول فيهم بما لا يليق بهم ، وعبادة غير الله . وأىّ فساد أكبر من هذا ؟ ! . وقوله : قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ . بإظهار الموافقة بالقول . وقوله : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ . أخبر تعالى أنهم هم المفسدون ؛ لما أضمروا من الخلاف لهم ، والمخادعة ، والاستهزاء بهم .